فيلم «كنتُ أنا» لا يقدم حكاية هروب بقدر ما يضعنا أمام امتحان الوعي. امتحان الإنسان حين تُسحب منه كل الضوضاء، وتُترك روحه عارية في مواجهة نفسها هنا، لا تصبح الصحراء مكانًا، بل حالة وجودية، ولا يتحول الصمت إلى فراغ، بل إلى اعتراف مؤجل فيلم يهمس أكثر مما يصرخ ويتركك بعد نهايته محمّلًا بسؤال لا يخص البطل وحده، بل يخصنا جميعًا:
هل نملك الشجاعة الكافية لنواجه ذواتنا إن بقينا وحدنا؟
في زمنٍ تُكثِر فيه الشاشات من الضجيج وتقل فيه المساحات الصادقة للإنصات، يأتي نادي سينما المرأة كفعل ثقافي هادئ، يراهن على السينما بوصفها لغة إنسانية لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمَع .
هذا النادي الذي يقيمه المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح وتديره الناقدة السينمائية شاهنده محمد علي، يوم الاثنين 19 يناير على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، ليؤكد من جديد أن السينما المستقلة ليست هامشًا، بل قلب نابض بالأسئلة والاحتمالات .
الفعالية لا تكتفي بعرض أفلام قصيرة، بل تفتح بابًا للحوار حول قضايا الإنسان في هشاشته وقوته في علاقته بنفسه وبالآخرين، وفي المسافة الدقيقة بين المرأة والرجل بين الداخل المضطرب والعالم الخارجي القاسي .
من بين هذه الأعمال يبرز فيلم «كنتُ أنا»، إخراج عبدالرحمن إكرام، وتأليف محمد عبد المقصود، وبطولة أسر علي، كرحلة سينمائية شديدة الخصوصية، لكنها في الوقت ذاته شديدة العمومية لأن أوجاعها تشبهنا جميعًا .
يحكي الفيلم عن مراد شاب يطحنه ثقل الحياة وتُحاصره قطيعة أسرية قاسية، فيقرر الهروب لكن الهروب هنا ليس خلاصًا، بل طريقًا إلى مواجهة أكثر شراسة الصحراء التي يصل إليها ليست مجرد فضاء جغرافي، بل مساحة داخلية عارية، تتساقط فيها الأقنعة، ويُجبر الإنسان على النظر في مرآته دون وسائط .
هناك، حيث الصمت أثقل من الكلام، يكتشف مراد أن الصراع الحقيقي لم يكن مع العالم، بل مع ذاته .
جمالية الفيلم لا تكمن في الحدث، بل في الإحساس في ذلك التوتر الصامت بين الرغبة في النجاة والخوف من المواجهة وفي الأداء الذي يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا بعيدًا عن الادعاء أو المبالغة وربما لهذا السبب، وجد الفيلم طريقه إلى مهرجانات دولية في البرازيل والهند وإيطاليا والولايات المتحدة، لأنه يتحدث بلغة واحدة يفهمها الجميع لغة الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام نفسه .
ضمن سياق نادي سينما المرأة يكتسب عرض «كنتُ أنا» دلالة إضافية فهو لا يقدم حكاية رجل فقط، بل يطرح سؤالًا أوسع عن البحث عن معنى وسط عالم يضغط بلا رحمة سؤال يخص المرأة كما الرجل، ويخص المجتمع بقدر ما يخص الفرد .
هنا، تتحول السينما من فعل مشاهدة إلى فعل تأمل ومن شاشة تُطفأ أنوارها بعد العرض، إلى نقاش يظل مفتوحًا طويلًا في الوعي وهذا، في جوهره، هو الرهان الحقيقي .
أن نخرج من القاعة أقل يقينًا وأكثر إنسانية .

إرسال تعليق