د. رشا كرم تكتب: " أنا مش جدتك " | مقالات | أخبار المحروسة

هناك علاقات تبدأ قبل الكلام… قبل السلام… قبل ما الطرفين يعرفوا هما عايزين إيه من بعض أصلًا.

علاقات تُلقي عليك دورًا لم تختاره: تحس فجأة إنك مطلوب منك تكون " الحضن الجاهز، الظهر الذي لا ينكسر، الملاذ الذي يفتح بابه من غير أن يسأل “ليه؟” أو “لِمَن؟”.


الغريب؟ الناس لا يطلبون هذا صراحة. هم يفترضونه، يستدعونك لدور البطولة في فيلم كتبوه بأنفسهم… يدخلوك كبطل ل مشهد الأمومة، الحكمة، الإنقاذ… وكل ذلك فقط لأنهم اعتقدوا أن قلبك “واسع بما يكفي” ليحتملهم.


لكن أوسع القلوب ليست ساحات عامة، وأرق النفوس ليست صناديق إسعاف. في عمق النفس الإنسانية قانون قديم… لا يتغير: كل دور تُؤديه بلا وعي… يلتهمك قبل أن يسألك .


ومن هنا يبدأ مقالنا. ليس عن الأمومة، ولا عن الحنان، بل عن ذلك اللقب الذي يتخفّى في العلاقات: لقب “ متلازمة الجدة ”… أعلى مراتب العطاء… وأخطرها إذا أُديت  في غير وقتها ومكانها.


حين تتأمل طبيعة الحب والعطاء، يظهر فرق دقيق وعميق بين ألوان الحب المختلفة:

حب الأم غالبًا يكون حبًا غريزيًا، مباشرًا، مترافقًا مع شعور المسؤولية والفطرة، وهو حب يفرض نفسه في كل لحظة، يشبه نهرًا جارٍ… حاضر دائمًا لكنه أحيانًا محدود بالإطار المباشر للطفل.

حب الأب، من ناحية أخرى، غالبًا يكون حبًا مُوجَّهًا بالحماية والدعم، يضع قواعد، يرشد، يعلّم، لكنه أقل انسيابًا عاطفيًا… أكثر عقلانية وأقل عاطفة صافية.


أما حب الجد والجدة، فهو مختلف تمامًا: حب واعٍ، مختار، متكامل، يلتف حول كل أفراد الأسرة. هو حب لا يفرض نفسه، بل يختار اللحظة المناسبة ليكون حاضرًا، يملأ الفراغ بلا ضغط، يبني الثقة بلا قيود، ويترك أثرًا عميقًا على الروح قبل الجسد، كنسيم دافئ يتخلل كل زاوية من القلب.


حين تدخل حياة أحدهم، تذكّر أنك لست جدته. أنت بشر، قلبك ليس مصنعًا لإنتاج وتوزيع السعادة، ولا صندوقًا للتنمية العطائية بلا أرباح . 

العطاء الأصيل هو الذي يخرج من مكان واعٍ، لا من ضغط أو خوف، ومن فهم للذات قبل فهم الآخرين.


العطاء المفرط بلا وعي يشبه نهرًا جارفًا يختلط فيه الخير بالدمار، بينما الحب المدروس، الصافي، كما عند الجد/ة الأسوياء سليمي الفطرة، أشبه بشجرة صامدة في صمتها، تعطي بلا مطالبة، تنمو بلا صراخ، وتظل جذورها ثابتة حتى في أعنف العواصف.


في النهاية، مقولة “أنا مش جدتك” ليس رفضًا للحب والعطاء أو السخرية منهما،  بل إعلان للحرية، وفهم لطبيعة عطائك، وفلسفة أن تحب بلا استنزاف، وأن تبني بلا ضياع روحك، وأن تمنح بلا أن تصبح عبئًا على نفسك…


اسأل نفسك السؤال اللي محدش بيربيه داخلنا:


هل ده حب… ولا عادة إنقاذ؟

هل ده احتواء… ولا إنكار لاحتياجاتي؟

هل ده دفء… ولا خوف من فقدان العلاقة؟


وبعد ما تجاوب…

قولها بوضوح يشبه الشجاعة اللي بقت عملة نادرة:


“أنا مش جدّتك…

وأنا بحبّك بالقدر اللي يخلّيني حاضر،

بس مش بالقدر اللي يمسح وجودي عشان يثبّت وجودك.

فبلاش تنتظر منّي معجزات مش على مقاسي.”



اضف تعليق

أحدث أقدم

تحديثات