لا شك أن الإبحار فى عالم الكتابة للطفل أمر محفوف دائماً بالمحظورات، التى يحرص على تجنبها كل من يشرع فى كتابة نص موجه للأطفال، حيث يسعى الكاتب لتقديم رؤى وأفكار تلائم عقلية تلك الفئة العمرية على اختلاف مستويات التلقي لدى كل مرحلة سنية، فالأمر يبدأ من ثلاث سنوات أو أقل وحتى مرحلة ما قبل المراهقة، مع الأخذ فى الاعتبار أن طفل اليوم أصبح أكثر وعياً وادراكاً عنه فى أجيال سابقة، وأصبح الكثير منهم قادرون على التمييز بين من يستخف بعقولهم، ويتعامل مع الكتابة لهم بشيء من السطحية، وبين من يسعى لتوصيل رسالته مع احترام عقولهم وتفكيرهم .
وفى
عرض "سندباد" الذى يتم تقديمه
حالياً على خشبة مسرح البالون من انتاج فرقة تحت 18 التابعة للبيت الفنى للفنون
الشعبية والاستعراضية برئاسة الفنان النشط عادل عبده، نجح المؤلف اسلام إمام فى
تقديم نص، يُطبق حرفياً كل ما أشرنا إليه سلفاً، وذلك من خلال مغامرات سندباد التى
قرأناها من خلال قصص ألف ليلة وليلة، وشهدناها
فى العديد من الأعمال الفنية على المستويين المحلى والدولى، ولكن المؤلف حرص هنا على أن يضع بصمته
الخاصة، منذ بداية العرض، حيث يقدم سندباد وقد أصبح من الأثرياء، يسكن القصور ويحيا حياة الملوك والأمراء، ومن خلال رواية قصته، لرجل فقير مر بقصره طالباً الطعام، نتعرف سوياً على المخاطر والصعاب التى واجهته حتى
يصل إلى ماهو فيه الآن، وخلال تلك
المغامرات، يستعرض الكاتب معنا التحول والتطور الكبير فى شخصية سندباد ونجاحه فى
التغلب على مخاوفه، كما يعرض لنا تأثيره الإيجابي على كل الأشخاص الذين التقى بهم
فى رحلته، مثل قيامه بتعليم القراءة
والكتابة لسكان جزيرة البُلهاء، حتى
يعتمدون على أنفسهم، ولا يضطرون للجوء إلى شخص آخر قد يخدعهم ويسبب فى إلحاق الأذى
بهم، وتشجيعه للأشخاص المسحورين على مواجهة ملك الجان، والتحايل عليه وانتزاع خاتمه لفك السحر عن كل
منهم.
ومع تسليمنا الكامل بأن الكتابة للطفل خرجت اساساً من رحم الكتابة للكبار، ولا تختلف عنه كثيراً، وقد سبق للمؤلف اسلام إمام كتابة نصوص للكبار، قام بإخراجها بنفسه مثل "رجالة وستات" و"المتفائل" وغيرها، لكننا نراه فى هذا العرض بصورة مختلفة عن عروضه التى كتبها للكبار، ففكرة اعتماد الكاتب على الأساطير والحكايات الشعبية التى توارثناها جيلاً بعد جيل، أصبحت تجتذب الكبار أيضاً لأنها كامنة فى عقلهم الباطن، وهو ما لاحظته من خلال تجاوب الجمهور الذى شهد العرض .
قدم
الشاعر محمد زناتي عدة أغنيات تخللت أحداث العرض وتضافرت كلماتها مع النص
المكتوب فى توصيل افكار ورؤى الكاتب والمخرج،
بدءاً من أغنية البداية التى استعرض من خلال كلماتها ما نحن بصدد مشاهدته خلال
أحداث العرض، كما قدم أغنية رائعة عن الأم يقول مطلعها:
مفيش
غيرك يا أمى
دايماً
شايلالى همى
ياساكنة
جوا قلبى
دنا لو
كان بيدى
لا كنت
بعدت عنك
ولا كنتي
غبتى عنى
وأيضاً
قدم أغنية أكدت على قيمة التعليم والسعى إليه بغض النظر عن سنك أو وضعك الاجتماعي، فالعلم قادر على تغييرنا دائماً للأفضل حسبما
جاء فى كلمات الأغنية، ثم نأتى إلى أغنية النهاية
وهى "كان ياما كان" التى تناولت
الحكمة والاستفادة من الحكايات التى رأيناها خلال العرض، ومدى استفادتنا منها .
موسيقى
وألحان يحيى نديم جاءت مناسبة تماماً للأشعار والمواقف الدرامية، كما انساب صوته
العذب ناعماً ومعبراً ونجح فى اختراق قلوب وأذهان المشاهدين كباراً وصغاراً، وكذلك
جاء صوت الفنانة سماح اسماعيل ولا عجب فى ذلك فكلاهما استاذ أكاديمى فى الموسيقى
والغناء، وتحية واجبة للموزع الموسيقى
ريكاردو .
استعراضات كريمة بدير، كانت عاملاً مساعداً لإبراز جماليات العرض وسير الأحداث، ففى استعراض الافتتاح جعلت الفتيات كجنيات البحر من خلال التماوج بأجسادهن، كما استطاعت فى بقية اللوحات التعبير عن الفكرة والاشعار.
ديكور
الدكتور عمرو الأشرف و ملابس الدكتورة مروة عودة وماكياج وفاء داوود ساهموا فى
اضفاء جو اسطورى على العرض، ونقلونا إلى عوالم أخرى .
التمثيل:
جاء اختيار المخرج للفنان الشاب ضياء زكريا فى دور سندباد موفقاً للغاية، بما
يملكه من امكانات فنية وبدنية أتاحت له التفاعل الدائم مع الأطفال، خاصة وانه لا
يغيب عن خشبة المسرح طوال مدة العرض،
بخلاف بقية الممثلين .
أجادت
الفنانة الشابة هند الشافعى فى دور جوهرة ونجحت فى تجسيد الدور ببراعة .
محمد
يوسف، يسرا كرم، أحمد اوسكار كانوا فاكهة العرض ونجحوا فى اطلاق ضحكات الجمهور
بسبب خفة ظلهم وخبراتهم المسرحية .
د.
طارق مرسى جسد دور الرجل الفقير بأستاذية ليست غريبة عليه، ولم ينجرف إلى الخروج عن الخط الدرامى للشخصية
والتزم تماماً بتفاصيل الدور .
جميع
الفنانين والفنانات من أعضاء فرقة تحت 18 كانوا على قدر المسئولية وتميزوا فى
ادوارهم المختلفة .
الاخراج: شادى الدالى مخرج من طراز فريد يجيد التحضير الكامل لعروضه حتى تخرج إلى النور بلا أخطاء، ولا شك أنه يعلم تماما كيف يختار مجموعة معاونيه من الاساتذة والأكاديميين كل فى مجاله .
إرسال تعليق