من أجواء القصة "اليتيمة": تسبقنا العمة مثل كل مرة، بيتها قريب من الجبانة، هكذا تبرر أمي تأخرنا عنها في الوصول إليه، جالسة هي على حافة القبر . على رموشها قطرات من دموع ذرفتها قبيل مجيئنا وحرصت على ألا تمحوها وعلى تراب القبر خطوط أصابعها التي كانت قبل لحظات تمسد التراب إلى جوارها المنجل وكومة من أغصان العاقول التي اجتثتها من فوق القبر، حشتها العمة بهمة وكراهية تليق بقناعتها أن جذور العاقول تمتص حياتها من عظام الراقد تحت التراب، أمي لا تجرؤ على معارضة العمة رغم أنها تقول لي في البيت إن الأخضر حتى لو كان نحيلًا مثل شوك العاقول يضلل على الجسد الذي صار وحيدا في جبانة شاسعة.
تزيح يد أمي الأغصان المتشابكة وتفسح لنفسها مكانًا على جانب القبر، بينما عينها من طرف خفي تتابع العمة وهي تتسلقني بنظراتها تتفحص هندامي وشعري، أوه فاصل جديد في العلاقة المتذبذبة بين العمة والأم، لا أحب اللقاء المشترك بين العمة والأم تجلس واحدة عن يمينه والأخرى عن شماله، وأقف أنا بكامل زينتي عند شاهد القبر الذي يعلو رأسه مباشرة أكون بين المرأتين اللتين تتنافسان في إظهار الحزن على الراحل والتفاني في رعاية ابنته، يا ويل أمي حين تعثر العمة وهي تدس العيدية في يدي على قوسا داكنا تحت أظافري خلفه اللعب مع بنات النجع في ساحة البيوت الترابية، في لحظة تتقلب أمي علي جمر نظرات العمة وهي تنظف تحت أظافري برفق باذخ تظنه العمة يتناسب مع يتيمة مثلي، وعيونها تقول (حرام عليك دي يتيمة !!)
"دي يتيمة" كلمة العمة التي تشهرها حين تباغتنا بزياراتها في أوقات غير متوقعة وحين تجد ضفائري متهدلة وخصلات متناثرة على جبهتي وبقايا نعاس تظلل وجهي بينما أمي في ساحة البيوت مع الجارات تثرثر بأخبار الصباح، وقتها لا تخفي عمتي غضبها وتسحبني إلى بيتها وسط ضجة يحدثها صوتها المجلجل وهي تشكو لكل من يقابلها إهمال أمي، وتعرض ضفائري المتهدلة وشعري المبعثر لفحص عيون الجميع لتثبت تهمة الإهمال على زوجة الأخ التي هي أمي ..
إرسال تعليق